مجموعة مؤلفين ( اعداد : التسخيري )

51

رجالات التقريب

لقد دعت أدبيات هذه المدرسة الإحيائية إلى تأسيس علم السنن والقوانين الإلهية في الاجتماع الإنساني ، وقال الإمام محمد عبده - في تفسيره قول اللّه ، سبحانه وتعالى : ( قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) « 1 » . إن إرشاد اللّه إيانا أن له في خلقه سننا ، يوجب علينا أن نجعل هذه السنن علما من العلوم المدونة ، لنستديم ما فيها من الهداية والموعظة على أكمل وجه ، فيجب على الأمة في مجموعها أن يكون فيها قوم يبينون لها سنن اللّه في خلقه ، كما فعلوا في غير هذا العلم من العلوم والفنون التي أرشد إليها القرآن الكريم بالإجمال ، وبيّنها العلماء بالتفصيل ، عملا بإرشاده ، كالتوحيد وأصول الفقه . والعلم بسنن اللّه تعالى من أهم العلوم وأنفعها ، والقرآن يحيل عليه في مواضع كثيرة ، وقد دلنا على مأخذه من أحوال الأمم ، إذ أمرنا أن نسير في الأرض لأجل اجتلائها ومعرفة حقيقتها . . إن للّه في الأمم والأكوان سننا لا تتبدل ، وهي التي تسمى شرائع ، أو نواميس ، أو قوانين . . ونظام المجتمعات البشرية وما يحدث فيها هو نظام واحد لا يتغير ولا يتبدل ، وعلى من يطلب السعادة في المجتمع أن ينظر في أصول هذا النظام حتى يرد إليه أعماله ، ويبني عليها سيرته ، وما يأخذ به نفسه ، فإن غفل عن ذلك غافل ، فلا ينتظر إلا الشقاء ، وإن ارتفع في الصالحين نسبه ، أو اتصل بالمقربين سببه فمهما بحث الناظر وفكر ، وكشف وقرر أتى لنا بأحكام تلك السنن ، فهو يجري مع طبيعة الدين وطبيعة الدين لا تتجافى عنه ، ولا تنفر منه . . . . وليس من الممكن لمسلم أن يذهب إلى ارتفاع ما بين حوادث الكون من الترتيب في السببية والمسببية إلا إذا كفر بدينة قبل أن يكفر بعقله . . » . 7 - وسابع هذه الأصول أن الدولة في الإسلام « مدنية - إسلامية » . . لا كهنونية . . ولا علمانية : فالإنسان مستخلف للّه ( سبحانه وتعالى ) لاستعمار الأرض - الذي هو جزء من عبادة اللّه . وشكره على تسخيره ما سخر لهذا الإنسان من نعم وطاقات وقوى وملكات . . ولأن الإسلام هو دين الجماعة ، الشاملة للفرد ، والمؤسسة على الأسرة فإن الأمة - وليس الفرد ، أو الطبقة - هي مركز الخلافة والاستخلاف . . ولأن اللّه لطيف بعباده فلقد كان من لطفه بخلقه ، وعنايته ورعايته لهم إرساله الرسل وإنزاله الكتب لتصويب مناهج الجماعات والأمم في هذه الحياة . . ولذلك كانت الشريعة الإلهية هي بنود عقد وعهد الاستخلاف الإلهي للإنسان . ولأن « الدولة » لم ترد في أصول الإيمان ، ولا في أركان الإسلام . . كانت ككل النظم الحياتية

--> ( 1 ) - آل عمران / 137 .